|
د. أسامة الصانع، استشاري الجراحة التنظيرية والغدد الصماء
سرطان الغدة الدرقية الأكثر شيوعا.. وقابلية للشفاء
سرطان
الغدة الدرقية من أكثر أنواع الأورام شيوعا في مجتمعاتنا الشرقية، لكنه
أيضا من أكثرها قابلية للعلاج والشفاء، حيث تصل نسبة الشفاء منه إلى 99%،
خاصة لو تم اكتشافه في مرحلة مبكرة من الإصابة،
هذا ما أكده الدكتور أسامة الصانع، استشاري الجراحة التنظيرية وجراحات
الثدي والغدد الصماء في مستشفى رويال حياة،
الذي التقيناه لإلقاء الضوء على أمراض الغدة الدرقية.
• متى يجب الفحص؟
- لا بد من مراجعة الطبيب عند الشعور بوجود تورم أو انتفاخ في منطقة العنق،
للفحص والتشخيص. فمن السهل ان تفحص المنطقة بالسونار ليتم تشخيصها بدقة
وتحديد إن كان هناك تورم في إحدى غدد العنق الليمفاوية أو تليف حميد أو ورم
خبيث. وإن كان السبب يُعزى الى تكوُّن خلايا ورمية، يمكن من خلال التصوير
بالسونار تحديد درجتها ومدى تطورها وانتشارها، وإذا ما كانت تحتوي على
تكلسات. وعليه، يمكن من خلال هذا الفحص البسيط والسريع أن نحصل على معلومات
تشخيصية مهمة.
- بعد اكتشاف وجود ورم في الغدة الدرقية، تكون الخطوة التالية أخذ عينة منه
لتحديد نوعية خلاياه إن كانت من النوع الحميد أو الخبيث. وللعلم، فغالبا ما
يعود تورم الغدة الدرقية لأسباب فيروسية أو التهابية أو هرمونية بسيطة،
فيما لا يتعدى اكتشاف الأورام 5% من الحالات فقط. وفي 5% من هذه الأورام
يكتشف أنها من النوع السرطاني الخبيث، بينما يكون الورم في 95% من النوع
الحميد. وعليه يمكن القول إن اغلب حالات تورم الغدة الدرقية تعزى لأسباب
حميدة.
• إذا كان الورم خبيثا ما مراحل العلاج؟
- يشمل العلاج استئصال الغدة الدرقية، والمناطق التي وصلت لها الخلايا
الورمية، كالأوعية والغدد الليمفاوية. ومن ثم يخضع المريض لعدد من جلسات
الحقن بجرعات عالية من اليود المشع، الذي يتجمع في الخلايا المتبقية من
الغدة الدرقية ليقتل المتبقي من الخلايا السرطانية. كما من المهم إعطاء
المريض جرعة مرتفعة من هرمون الغدة الدرقية لتعويض انخفاضه، وهو ما يمنع
الغدة النخامية بدوره من إفراز المزيد من هرموناتها المحفزة. وذلك لتفادي
مضاعفات استمرار إفرازاتها وبالتالي تضخم الغدة.
وشهد علاج سرطان الغدة الدرقية تطورا كبيرا في السنوات الأخيرة لسببين:
1 - تطور المعلومات النظرية عن آلية تكون الأورام وكيفية علاج سرطان الغدة
الدرقية بشكل مناسب.
-2 تطوير المختبرات لطرق دقيقة تمكن الاكتشاف المبكر للخلايا السرطانية،
ومن أهمها تحليل الثيروغلوبين (بروتين أو زلال الغدة الدرقية)، ليكشف بدقة
بداية أي اضطراب أو تكوّن الخلايا الورمية.
وسرطان الغدة الدرقية يصيب عادة الكبار في السن، وتتضاعف الإصابة به عند
النساء مقارنة بالرجال. ويعزى ذلك إلى التغيير المستمر لنشاط الغدة وتغير
هرمونات المرأة خلال دورتها الشهرية. وهو ما يرفع بدوره من احتمال العطل
والاضطراب في النشاط، وتكوّن الأكياس والتليفات.
الاضطراب في النشاط
من الممكن ان تمارس الغدة المريضة وظيفتها، أي ان تستمر في إفراز ما يحتاجه
الجسم من الهرمون. للتذكير، فالإنسان يحتاج إلى خمس خلايا الغدة الدرقية
حتى تتوافر له الهرمونات اللازمة للنمو والبناء ويعمل جسمه بشكل سليم.
وعليه، حتى لو ظهر الخلل فغالبا لا يشعر الشخص بان الأمور غير طبيعية إلا
بعدما يكون الورم قد قضى على الغدة بأكملها، ليفاجأ بتوقف الحويصلة عن
العمل وتجمع اليود وتخزين الهرمون بها. وقد لا تستجيب خلايا الغدة للهرمون
المحفز لنشاطها الذي تفرزه الغدة النخامية في الدماغ، مما يجبرها على
العمل، ويسبب نمو خلاياها وتضخمها.
يمكن أن نعيش بلا غدة
تتكون
الغدة الدرقية من فصين (يمين ويسار) وبينهما جزء يصل بينهما، فإذا استؤصل
فص واحد يمكن للآخر ان يعوض عنه بشكل طبيعي ليوفر للجسم احتياجاته. كما إن
توافر عقاقير الهرمون المصنعة والبديلة تمكن الانسان من الاستغناء عن الغدة
الدرقية تماما مما يعلل تفضيل الأطباء والجراحين استئصال الفص المصاب
بالورم الحميد بالكامل، ما لم يكن الورم قد وصل الى الفص الآخر وهو ما
يستدعي إزالة الغدة بالكامل. اما في حالة الإصابة بالورم السرطاني فينصح
بإزالة الغدة بالكامل، ويعزى ذلك الى سببين أساسيين: تفادي الانتكاسة
وتسهيل المتابعة، بالإضافة إلى سهولة تناول حبوب هرمون الغدة يوميا.
لا تسكت عنه
حذر د. الصانع من السكوت عند الشعور بأعراض الخلل في الغدة الدرقية وإهمال
علاجها، لكون ذلك يعرض المصاب إلى خطر انتشار الخلايا السرطانية إلى الغدد
الليمفاوية العنقية أولا ومن ثم إلى جميع الجسم. وتابع موضحا:
- شهدت العديد من الحالات ممن لا يقدمون على العلاج إلا بعد وصولهم الى
مرحلة متقدمة جدا. وفي هذه الحالة، نضطر الى إخضاعهم لعملية كبيرة ومعقدة
تتم فيها إزالة الغدة الدرقية والغدد الليمفاوية وأي نسيج وصلت إليه
الخلايا السرطانية. ومن المهم ان يجري هذه العملية خبراء متمرسون، حتى تنجح
العملية في إزالة الورم بأكمله من المرة الأولى، بحيث لا يترك بقايا لخلايا
سرطانية أو غدد ليمفاوية. فالفشل في ذلك يترتب عليه حاجة المريض الى جراحة
أخرى في المستقبل.
خطر عملية الاستئصال
من الطبيعي ان يتخوف الكثير من الخضوع لعملية استئصال الغدة الدرقية،
لكونها تقع في منطقة تحتوي على أوعية دموية رئيسية وفرعية والعديد من
الأعصاب، بالإضافة الى القصبة الهوائية والغدة الجار درقية. لذلك شدد د.
الصانع قائلا:
- من الضروري ان يحرص المصاب على اختيار جراح متخصص في الغدة الدرقية
للقيام بعملية استئصالها، فهو الأفضل خبرة وتأهيلا في تفادي أي خطأ طبي أو
مضاعفات طبية مستقبلية، حيث يسهل عليه التعرف والحفاظ على الأوعية الدموية
وعصب الصوت وأغشية الغدة الجار درقية المسؤولة عن تركيز الكالسيوم في
الجسم. فالجراح المؤهل يستأصل جميع خلايا الغدة الدرقية فقط مع تفادي
التعرض للأغشية المجاورة، ولا يترك لهذه الغدة بقايا، حتى لا يعيد إجراء
العملية في المستقبل ليزيل ما تبقى منها. ولا يتعدى احتمال جرح الغدة الجار
درقية أو عصب الصوت أثناء قيام الجراح المؤهل بعملية استئصال الغدة الدرقية
عن 1%.
التقنية الحديثة
- تجدر الإشارة إلى ان مستوى العمليات الجراحية (المسماة العمليات الدقيقة)
مرتفع جدا من حيث الأمان. وتجرى العملية عادة من خلال جرح بسيط (2-3 سم)
تدخل فيه الأدوات الجراحية فتستأصل الغدة الدرقية بالكامل. كما يوجد جهاز
يسمى «محفز العصب» يستخدم خلال العملية لتنشيط العصب ليبين المنطقة المسؤول
عنها ويسهل التعرف على أعصاب الصوت في حالة الشك. ويمكن الاستعانة بمنظار
مزود بكاميرا فيديو لتكبير حجم المنطقة حتى يسهل التعرف على الغدة بوضوح.
واحرص شخصيا على توفير صور للعملية الجراحية ونتيجتها (تبين أعصاب الصوت
والغدة الجار درقيه) للمريض بعد العملية، حتى يطمئن على حالته وسلامة
العملية الجراحية.
العلاج الإشعاعي
يستخدم نوع من العلاج الإشعاعي يعرف بعلاج الطب النووي. وهو علاج ناجح جدا
تستخدم فيه مادة اليود المشع بقتل المتبقي من الخلايا السرطانية بعد
الجراحة. بيد انه لا ينفع كعلاج بديل للجراحة، فجرعة اليود المشع لها تأثير
تراكمي، وعليه فلها حد أو معيار آمن محدد لا يجب تجاوزه حتى لا يدخل الجسم
في مضاعفات صحية أخرى، لذلك يمكنه قتل كمية قليلة، كنسبة 1% من الخلايا
السرطانية (أي ما تبقى من الورم بعد استئصاله). وعادة ما يستعان بجرعتين
(جلستين) من اليود المشع للقضاء على ما تبقى من الخلايا السرطانية (بحجم
1-2 سم).
المتابعة
لاكتشاف تطور الانتكاسة وعودة ظهور الورم، ينصح المصاب بالمتابعة مدى
الحياة بعد الشفاء من سرطان الغدة الدرقية. فمن المهم ان يلتزم بالمتابعة
الدورية لقياس مستوى بروتين الغدة (الثيروغلوبين)، والخضوع لفحص التصوير
بالسونار. كما يمكن الاستعانة بفحص الطب النووي الذي يتم من خلاله حقن
المريض بجرعة منخفضة من اليود المشع للكشف عن وجود أي بقايا للغدة أو
الخلايا الورمية.
الغدد فوق الكلوية
وحول الخلل في الغدد فوق الكلوية، قال د. الصانع إنها تدخل من ضمن اختصاصات
جراحي الغدد الصماء أيضا، فيما عدا الغدة النخامية التي تدخل ضمن اختصاصات
جراحي الأعصاب. وأضاف:
- بالنسبة لاضطرابات الغدد الصماء فمن أهمها مرض الكروموسيتوما وهو مرض
نادر لكنه شديد الخطورة وجراحته حرجة ودقيقة. وقد اجريت عدة عمليات من هذا
النوع بالمنظار ليتم من خلالها استئصال الغدة فوق الكلوية والأورام بالكامل
تنظيريا من خلال جروح بسيطة في البطن (حجمها لا يتعدى 1 سم). مع الحفاظ على
ثبات ضغط الدم للشخص أثناء العملية، لكون هذه الغدة هي المسؤولة عن اتزان
ضغط الدم. لذا تتطلب هذه العملية طريقة تحضير وتخدير وتقنيات متخصصة.
الغدة الجار درقية
عند الشك في وجود اعتلال في الغدة الجار درقية المجاورة للغدة الدرقية،
فأهم نقطة في علاج أي تضخم فيها هو التشخيص الصحيح والدقيق. فغالبا ما يرجع
سبب تورمها الى انخفاض نسبة فيتامين دال في الجسم أو تكوّن ورم حميد، فيما
يندر ان يعزى الى الإصابة بالسرطان. وعليه فالتشخيص الصحيح يجنّب الشخص
الخضوع لجراحة استئصال الغدة، من دون حاجة.
الأربعاء 7 اكتوبر 2009 |